المشرف العام على وكالة حق لمجلة (البيان ):


وكالة حق ـ خاص   12/25/2008 عدد القراء 10972

فصائل المقاومة في العراق قطعت شوطا طيبا في الترويج الاعلامي لها
اعلام المقاومة نجح في التأثير في الرأي العام الغربي ولو جزئيا
اعلام المقاومة اعاد التوازن في حرب المصطلحات ورسخ اسماء الجماعات الجهادية

اكد المشرف العام على وكالة حق الاخبارية الاستاذ عبد الرحمن الرواشدي ان الضرورة تقتضي تشكيل وعي
إسلامي جديد يدرك أهمية إعلام المقاومة الجهادية، وينظر إليه بوصفه سلاحاً أكثر فتكاً من القنبلة، وأنه أحد الأسلحة التي يستخدمها الأعداء وحلفاؤهم ضمن منظـومة الأسلحة التي يخوضون بها حروبهم. والحملات الإعلاميـة - كمـا يقـول أحد الباحثين - تسبق الحملات السياسية والعسكرية، بل إنها تشارك في صنعها، وفي بعض الأحيان يكون الإعلام هو السلاح الوحيد المستخدم في المعركة.

وقال في تحقيق موسع كتبته  مجلة البيان الصادرة في المملكة العربية السعودية وحمل عنوان ( الاعلام المقاوم .. صناعة للوعي .. واشراقة في ظل الاحتلال ) أن أهداف الإعلام المقاوم المحورية تكمن في التعريف بحقيقة الرسالة وطبيعة الصراع، وتقديم صورة حقيقية وصادقة للوقائع والأحداث المتعلقة بعمل المقاومة الجهادية ومحيطها، كما أن للإعلام المقاوم هدفاً دعائياً يسعى إلى رفع معنويات المجاهدين وتعبئة مؤيديهم؛ بعرض إنجازات المقاومة الجهادية وخسائر العدو، وتصعيد الحرب النفسية ضد العدو ليؤثر ذلك في معنويات جنوده وإضعاف دعم الرأي العام له في حروبه العدوانية.

واضاف اننا عندما نعمِّم أخبار المجاهدين في بلادنا وفي العالم أجمع، باللغة العربية أو الإنكليزية أو غيرهما من اللغات؛ فإننا نساهم بالجهاد الإعلامي، ونصبح مرآة حيّة للجهاد على الأرض، وعندما نحاجج وندحض من يشككون بالمقاومة الجهادية وجوداً وعملاً؛ فإننا ندعم المجاهدين على الأرض، ونمنع العدو من محاصرتهم سياسياً وإعلامياً، ونوجد أفضل الظروف السياسية والإعلامية لاستمرار المقاومة الجهادية ودعمها مؤكدا على ضرورة ابتعاد المجاهدين عن كل عمل يسيء إلى الجبهة الداخلية للمجتمع الإسلامي، وخاصة التكفير وحرمة دماء الأبرياء، وهي من المسائل التي أَوْلتها فصائل المقاومة العراقية اهتماماً متزايداً.
وفيما يلي نص التحقيق كما نشرته الزميلة البيان :

الإعلام المقاوم صناعة للوعي.. وإشراقة في ظل الاحتلال


المشاركون في التحقيق:
الأستاذ رأفت مرَّة: رئيس تحرير مجلَّة «فلسطين المسلمة».
الأستاذ عبد الرحمن سلوم الرواشدي: المشرف العام على وكالة «حق» الإخبارية العراقيَّة.
الأستاذ فتحي حمَّاد: رئيس مجلس إدارة شبكة «الأقصى» الإعلاميَّة، والمشرف العام على قناة «الأقصى» الفضائيَّة.
الأستاذ مصطفى الصواف: إعلامي ورئيس تحرير صحيفة «فلسطين»، ورئيس مركز «الجيل» للصحافة.
أبو مجاهد: الناطق الرسمي لألوية الناصر صلاح الدين «أحد الفصائل الجهاديَّة في فلسطين».
 
 
* تمهيد ومقدمة:
يُعدُّ الإعلام المقاوم أولوية مركزية لدى حركات التحرر في أنحاء العالم كافة، وعندما يتم تداول اصطلاح «صناعة الإعلام المقاوم» فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن الأمر يتعلق بنوع من الإعداد والتجهيز؛ كما تتم عمليات صناعة السلاح والعتاد وتأهيل الأفراد.

ولأهمية دراسة هذا الجانب خصوصاً أن المواجهة مع قوى الاحتلال تزداد يوماً بعد يوم في مناطق عديدة من العالم؛ فقد كان لا بُدَّ من تسليط الضوء على موضوع الإعلام المقاوم بشقّيه: النظري والتطبيقي، ومدى نجاعة هذا النوع من الإعداد، وسبل تطويره ليتوافق مع مقتضيات كل مرحلة وحسب خصوصية الظروف المكانية والزمانية لكل مواجهة؛ ذوداً عن بيضة الأمة، ودفاعاً عن دينها وكرامتها.

التحقيق التالي يستطلع آراء نخبة من قادة الإعلام المقاوم ومنظّريه في الساحتين الأشد نزفاً «الفلسطينية والعراقية»؛ لما لهذه الشخصيات من دور هام في تبنِّي فكر المقاومة والصدح بأولوية انتهاجه عبر كل الوسائل الإعلامية.
انتقاء هؤلاء الأشخاص - نحسبهــم والــله حسيبهــم ولا نزكي على الله أحداً - ممن صدَّق قولَهم عملُهم، فعاشوا تجربة الإعلام المقاوم واقعاً بين خنادق المجاهدين وعلى أطراف الثغور وتحــت مرمى نيران الأعداء، أو من كان قدرهم حياة المنافي فتجــاوزوا أثقال شتاتها؛ انتقاء هؤلاء الأشخاص يمنح تحقيقنا هذا مزيداً من الشمولية ويسعى باتجاه تعزيز مصداقية ما سيرد في هذا التحقيق من أقوال ومواقف

* تعريف الإعلام المقاوم:
لا وجود لاختلاف جوهري في تعريف الإعلام المقاوم؛ وإن تباينت بعض التفاسير له حسب خصوصية كل حالة، غير أن جميع هذه التفاسير تصبُّ في نهاية المطاف في بوتقة التعريف الشمولي للمعنى.

يعرّف الأستاذ «رأفت مرّة» - رئيس تحرير مجلة «فلسطين المسلمة» الصادرة في لندن - الإعلام المقاوم بأنه: «الإعلام الذي يحمل مشروع المقاومة وهويتها، ويتبنى المقاومة نهجاً أساسياً وقضية دائمـة، وليســت موسميــة أو آنية، أي في وقت الأحداث فقط، ويتحمل النتائج المترتبة على ذلك».

ويقول الأستاذ «فتحي حماد» - رئيس مجلس إدارة شبكة «الأقصى» الإعلاميَّة -: «الإعلام المقاوم هو الإعلام الذي يدافع عن قضايا الأمة، والذي يتمسك بالثوابت الإسلاميَّة والوطنيَّة دون دعم أي مفاوضات يتم من خلالها التنازل عن هذه الحقوق».

لكنَّ الأستاذ «عبد الرحمن سلوم الرواشدي» - المشرف العام على وكـالة «حق» الإخبارية العراقية - يرى «أن المصطلح الشرعي هو الإعلام الجهادي، أما الإعلام المقاوم فهو قاسم مشترك بين كل الجماعات المقاومة على اختلاف مرجعياتها الفكرية ودوافعها القتالية. ومقاومة الاحتلال هي مقصد من مقاصد تشريع الجهاد، فإن لم يقتصر على مفهوم الإعلام الجهادي فيمكن الجمع بينهما تحت مسمى إعلام المقاومة الجهادية»، ويقصد به «تزويد الجماهير بحقائق المقاومة الجهادية ومقاصدها وآثارها، ونقل الأخبار والوقائع والمعلومات المتعلقة بها بصورة صحيحة ومنضبطة وموثَّقة داخل الأمة الإسلامية وخارجها؛ بقصد الإقناع والتأثير من خلال الوسائل الإعلامية، وكذلك رد الشبهات والافتراءات والشائعات التي تثار حول المقاومة للطعن فيها وفي أهلها، وتحفيز المسلمين لأدائها أو دعمها».

أما الإعلامي «مصطفى الصوّاف» - رئيس تحرير صحيفة «فلسطين» اليومية الصادرة في فلسطين - فيضيف إلى تعريفه للإعلام المقاوم بُعداً تكاملياً يركز على حشد الرأي العام، ويرى بأنه يعبِّر عن مقاومة شعب ضد المحتل من خلال إستراتيجية إعلامية تعتمد على دعوة الرأي العام إلى مساندة المقاومة ودعمها والتركيز على دورها وأهميتها وتضحياتها وإنجازاتها.

* أهمية وجود إعلام مقاوم:
بما أن الإعلام المقاوم يُعد أداة أساسية لصدِّ العدوان؛ فأهميته تنبع من كونه وسيلة «تعريف بمشروع المقاومة وأهدافها، والدفاع عنها، والتعريف ببرامجها»؛ كما يرى الأستاذ «مرّة»، ويقول أيضاً: إنه «مهم من ناحية كشف نقاط ضعف العدو وإبراز إنجازات المقاومة وتأثيراتها على الأعداء».

ويعتقد الأستاذ «الرواشدي» أن الإعلام المقاوم هو «إحدى أهم أدوات المعركة؛ لذا يقول - عليه الصلاة والسلام -: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» أخرجه أبو داود وأحمد والنسائي.

كما يستشهد بأقوال منظِّري السياسة والحرب الغربيين وسلوكياتهم؛ فـ «أنتوني سميث» يقرّ في كتابه «الجغرافية السياسية للإعلام» بأن «الإعلام هو مرتكز السيادة»، ويؤكد ذلك «لوسيان كي تراسكوت» في مقالته في صحيفة «إنترناشيونال هيرالد تريبيون» بقوله: «إن وسائل الإعلام تحولت إلى سلاح في الحرب».

وعلى المستوى العملياتي يستشهد «الرواشدي» بتصريح النقيب «ديفيد كونيللي» مدير إدارة الشؤون الإعلامية في مقرِّ القيادة الأمريكية في الكويت إذ يقول: «ينبغي أن نعدّ الإعلام أحد مكونات منظومة سلاح يمكن أن يحقق لنا أغراضاً عسكرية من غير أن يكون مهلكاً».

وفي هذا الإطار قرر مخططو الحرب أنه إذا لم تتم السيطرة على الإعلاميين فبالإمكان استعمالهم؛ لذا سعى الأمريكيون للسيطرة على مسيرة الحرب بالتحكم في أخبار المعارك بأسلوب مستحدث آنذاك، ضمن سياسة «بركة الأخبار» ومن ثَمَّ سياسة الإعلام المرافق، فقد سمحوا لحوالي ثلاثة آلاف من الإعلاميين الدوليين بالوجود تحت مظلتهم في الكويت وقطر بشكل خاص، من بينهم «500» مراسل مزروعون ضمن الوحدات العسكرية في أنحاء العراق كافة. ولهــذا - يضيف «الرواشدي» - فإن الضرورة تقتضي تشكيل وعي إسلامي جديد يدرك أهمية إعلام المقاومة الجهادية، وينظر إليه بوصفه سلاحاً أكثر فتكاً من القنبلة، وأنه أحد الأسلحة التي يستخدمها الأعداء وحلفاؤهم ضمن منظـومة الأسلحة التي يخوضون بها حروبهم. والحملات الإعلاميـة - كمـا يقـول أحد الباحثين - تسبق الحملات السياسية والعسكرية، بل إنها تشارك في صنعها، وفي بعض الأحيان يكون الإعلام هو السلاح الوحيد المستخدم في المعركة.

ويرى الأستاذ «الصوّاف» أن وجود إعلام مقاوم من الأهمية بمكان؛ نظراً إلى حالة الانبطاح السياسي والإعلامي التي يشهدها العالمان العربي والإسلامي. هذا الإعلام المقاوم كفيل بانتشال الأمة من حالة الاستسلام والخنوع؛ ليشحذ الهمم ويحشد الطاقات، ويوضح دور المقاومة مع الإرادة في تحقيق مصالح الأمة وإمكانية تحقيق انتصارات وهو ما يعزز الثقة بالنفس.

ويرى الأستاذ «فتحي حماد» أنَّ أهمية الإعلام المقاوم تكمن في مقاومة التهويد على جميع المستويات: الثقافي منها والصحي والاجتماعي، والاعتقالات والاغتيالات، واغتصاب الأراضي وبناء المستوطنات، وكذلك تغيير الثقافة الفلسطينية.

ويختصر رأيه في ذلك بقوله: «الإعلام المقاوم هو إعلام مقاوم من حيث الجهاد والسياسة والصحة ومناحي الحياة كافة للدفاع عن الشعب الفلسطيني».

* الأهداف والغايات:
لقد كان الإعلام المقاوم تاريخياً – خصوصاً في الحقبة الإسلامية - درعاً حمى حدود المسلمين، وردع المعتدين عن انتهاك حرماتهم، بل مثَّل أحياناً قوة إقناع لنشر دين الله في أرضه، من خلال مقاومته ظلم الأفكار والأديان الأخرى.
وفي هذا الإطار كان حديث المصطفى # المتفق عليه في رواية جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: «أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر...»، حيث كان التخطيط الإعلامي النبوي في غزوة تبوك بمنزلة «بثّ فضائي» سبق جيش المسلمين مسيرة شهر ليحسم المعركة؛ فيدحر الجاهلية ويحقن دماء المسلمين.
وبقدر ما يعدّ الإعلام المقاوم قوة دفاع فهو أيضاً قوة هجوم، ولا أدلَّ على ذلك من موقفَيِ الخليفة العباسي هارون الرشيد وولده المعتصم؛ فالأول ردَّ على ملك الروم الناكث للعهد بوسيلة الإعلام الوحيدة السائدة في القرن التاسع الميلادي، وهي بضع كلمات كُتبت على رسالة تنصُّل «نقفور» من اتفاقية الصلح والموادعة مع الرشيد، فكتب - رضي الله عنه - على ظهر رسالة «نقفور» نفسها: «من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم: قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة! والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام»؛ لتدفع هذه الرسالة الإعلامية شديدة اللهجة عظمة الإمبراطور إلى الإذعان.

أما المعتصم فعندما صنع من صرخة المرأة المسلمة المستغيثة به في أسر «توفيل بن ميخائيل» ملك الروم في عمورية سنة (223هـ / 838م) ملحمةَ فداء وكرامة؛ ابتدأها أيضاً برسالة إعلامية قصيرة لكنها جامعة لمعاني معاقبة من استحلَّ الحرمات وقتل الآمنين وأسر ألف امرأة مسلمة وقطع آذان الأسرى وأنوفهم وسمل أعينهم في إحدى المدن الصغيرة على أطراف الدولة العباسية.. «من أمير المؤمنين المعتصم بالله، إلى كلب الروم: أطلق سراح المرأة، وإن لم تفعل بعثت لك جيشاً أوله عندك وآخره عندي»، ثم كان الفتح المبين لعمورية.

وحين سألنا الأستاذ «فتحي حماد» حول أميز مواصفات الإعلام المقاوم؛ أجابنا بأنَّه لا بد أن تتوفر عدة صفات لهذا الإعلام؛ كأن ينطلق من خلال العقيدة الإسلامية والإيمان الواضح والراسخ، وأن يكون محافظاً على الثوابت الفلسطينية، وعدم مجاراة كل فكر غربي صهيوني يحاول أن يستأصل شأفة الشعب الفلسطيني وارتباطه بالعمق العربي والإسلامي، وكذلك أن يكون مدرسة خاصة ليست تابعة لأي مدرسة؛ سواء كانت أمريكية أو صهيونية أو غيرهما، فالإعلام المقاوم هو إعلام ينبع من واقع الوطن ومن واقع الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية للشعب الفلسطيني.

ويرى الأستاذ «الرواشدي» أن أهداف الإعلام المقاوم المحورية تكمن في التعريف بحقيقة الرسالة وطبيعة الصراع، وتقديم صورة حقيقية وصادقة للوقائع والأحداث المتعلقة بعمل المقاومة الجهادية ومحيطها، كما أن للإعلام المقاوم هدفاً دعائياً يسعى إلى رفع معنويات المجاهدين وتعبئة مؤيديهم؛ بعرض إنجازات المقاومة الجهادية وخسائر العدو، وتصعيد الحرب النفسية ضد العدو ليؤثر ذلك في معنويات جنوده وإضعاف دعم الرأي العام له في حروبه العدوانية.
وفي حين يرى الأستاذ «مرّة» أن «الإعلام المقاوم يأتي كاملاً ضمن إستراتيجية المقاومة ولا يختلف عنها»؛ فإن «الصوّاف» يعد رسالة الإعلام المقاوم ذات شقين:

الشق الأول: موجَّه إلى الجمهور الصديق؛ بهدف تعزيز الثقة بالنفس، وحشد الطاقات لمواجهة العدو، وبيان قدرة المقاومة على تحقيق إنجازات لصالحها، والعمل على نشر فكرها.

والشق الثاني: موجَّه إلى العدو على شكل حرب نفسية ضد الرأي العام الداعم له؛ بهدف بثِّ روح الإحباط والتشكيك في قدرته على مواجهة المقاومة، ومن ثم إلحاق الهزيمة النفسية به قبل الهزيمة المادية. وهناك العديد من المعارك حقَّق فيها الإعلام نصراً قبل البندقية، وهناك شعوب ودول استسلمت دون قتال، وهذا يعود إلى قدرة الإعلام في إحداث الهزيمة النفسية، والمهزوم نفسياً لا يمكن له أن يقاوم.

على الاتجاه ذاته تسير خطى قوى المقاومة؛ فالناطق باسم لجان المقاومة الشعبية الفلسطينية «أبو مجاهد» يعتقد أن هدف العمل المقاوم هو التحرك في اتجاهين: الأول: دفاعي، والثاني: هجومي، وهذه هي رسالته وهدفه، فهو يسعى للتصدي ومجابهة الإعلام المعادي من جهة، ويتقدم ليصنع حضوره ويستقطب مؤيدي رسالته في الأنحاء كافة من جهة أخرى. والعمل المقاوم لا يملك التعبير عن ذاته وعن حقه وواجبه في العمل والوجود دون الدور الإعلامي المعبر عنه.

ويقول «أبو مجاهد»: «نحن في لجان المقاومة الشعبية وضعنا خطوطنا العريضة لرسالتنا الإعلامية على اعتبار أن الأطر الأساسية التي تعنينا هي الدفاع عن ديننا الحنيف أولاً، ثم الدفاع عن أرضنا وشعبنا وقضيتنا الفلسطينية. وكما آلينا على أنفسنا دعم وترسيخ فكر المقاومة وإرادتها وجدوى العمل المقاوم بوصفه خياراً لنيل الحقوق؛ فقد سعينا للتصدي لكل المثبطين الداعين إلى الانهزام واستجداء الأعداء في صيغة حلول تفاوضية سقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع».

* فن صناعة الإعلام المقاوم:
لا شك أن صناعة الإعلام المقاوم تبدو مسألة بحاجة إلى قدر كبير من التخطيط والخبرة والمهنية؛ لبلوغ درجة الاحتراف. وإرادة صناعة الإعلام - أي إعلام - كما يقول «الرواشدي» تستلزم إدراك المشكلة الرئيسية الماثلة، وهذا الإدراك حتى يكون علمياً وعملياً ودقيقاً لا بد له من تخطيط يستند إلى إجراءات مدروسة لتحديد المشكلة وتحرِّي أسبابها وصياغة الحلول اللازمة لها ووسائل إعلامها، وصولاً إلى تحقيق النجاح.

فأية خطة توضع لصناعة الإعلام لا بد أن تشتمل على أربعة عناصر، هي: فهم الواقع، وتحديد الأهداف، واختيار أنسب الوسائل، والمتابعة والتقييم.

يضيف «الرواشدي»: وصناعة الإعلام المقاوم تتأتّى من خلال مسلكين، الأول: الإعلام الميداني؛ وتفعيله يكون من قِبَل المقاومة وهيئاتها وأقسامها الإعلامية، حيث يترابط العمل المقاوم بالمقاومة الإعلامية أكثر من أي وقت مضى؛ فاليوم أصبح المقاتل إعلامياً والإعلامي مقاتلاً، بقدر ما تمددت رقعة الميدان وساحة المعركة من الأرض إلى الفضائيات ثم إلى الفضاء الافتراضي على «الإنترنت».

يقول أحد المحللين: لا ينتصر المقاوم إن لم يكن إعلامياً فاعلاً، ولذا ينبغي أن يترسخ في ذهن المجاهد الإعلامي مفهوم «البندقية المقاتلة» و «الحاسوب المحارب». وجاء في مشارع الأشواق: «وينبغي للقائد أن يكتب على السهام أخبار ومعلومات تطابق ما وصل إليه من الجواسيس ويرمي بها في جيش العدو».

أما المسلك الثاني في صناعة إعلام المقاومة فهو: الإعلام الحرفي، وهذا مسؤولية الإعلاميين خارج الميدان؛ ليستثمروا ما يقدمه الإعلام الميداني وتوظيفه بأسلوب مهني متنوع، ثم تقديمه للرأي العام دعاية لقضية الجهاد، والاستنفار لدعم هذه الفريضة وتوثيقها بالأفلام والتقارير والأناشيد الشرعية.

ويرى الأستاذ «مصطفى الصوّاف» أن نجاح صناعة الإعلام المقاوم يكمن في التركيز على دور المقاومة في تحقيق الإنجازات المادية والمعنوية، وطبيعة الرسالة الإعلامية الموجهة، بحيث تكون قوية في كلماتها، وقوية في صورها، وصادقة إلى درجة كبيرة، ومراوغة وتحاول استغلال اللحظة المناسبة والمشهد المناسب لبثِّ روح الهزيمة في نفوس العدو؛ لأن الكلمة أو الصورة تساوي في بعض الأحيان ألف قذيفة، وتحقق المرجو منها؛ خصوصاً في المعركة، وتبين للعدو صلابة المقاومة وصرامتها وصدقيتها.

أما القيادي في لجان المقاومة الشعبية الفلسطينية «أبو مجاهد» فيأخذ بزمام صناعة الإعلام من النظرية إلى واقع أرض المعركة في فلسطين، مؤكداً أن الإعلام هو استثمار لدور العمل المقاوم القائم على جهاد وصبر وصمود وإرادة أبناء أهل فلسطين، وهذا ما يُستشف من الآية القرآنية: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: ٤١]، فخزي الأعداء وشفاء صدور المؤمنين يترتبان على العمل وإيقاع الألم بالأعداء. وعندما قدَّر المولى - عز وجل - لفرسان جهازنا العسكري «ألوية الناصر صلاح الدين» تدميرَ دبابة (المركافا) الصهيونية التي صُنعت خصيصاً لحماية طاقمها العسكري؛ فقد أصبح بإمكان الإعلام الفلسطيني وكل من يناصره أن يصنع حرب الرعب بالقدر ذاته الذي انتصرت به الإرادة الفلسطينية على الدبابة الصهيونية، وكذا الحال في عملية أسر الجندي الصهيوني «جلعاد شاليط» في العملية المشتركة بين ذراعنا العسكري «ألوية الناصر صلاح الـدين» و «كتائب الشهيد عز الدين القسام» و «جيش الإسلام»؛ ليؤثر ذلك على نفسية الجندي الصهيوني ويحدد له احتمالاته في المعركة؛ إما أن يكون قتيلاً أو معاقاً أو أسيراً.

وتعقيباً على مقدار التفوق التخطيطي والتقني ما بين العدو الصهيوني والمقاومة الفلسطينية؛ فيرى «أبو مجاهد» أن العدو الصهيوني بإعلامه واستخباراته وأجهزة التوجيه النفسي لديه التي تعمل باتجاه رفع معنوياته ومحاولة النيل من نفسية الشعب الفلسطيني والمقاوم الفلسطيني؛ سيكون الخاسر على الأرض؛ بفضل قوة الإرادة والمعنويات والإيمان، والاستعداد للتضحية والاستشهاد رغم الإمكانيات المتواضعة، ويختم قائلاً: «إن العمل هو من يصنع رسالة الإعلام وتأثيرها وليس العكس، وهذا هو صلب قناعتنا بأن العمل المقاوم هو الخيار والسبيل لإحراز الانتصارات في المجالات كافة».

* وحدة الأمة في إعلامها المقاوم:
تظل مسألة تفرُّق الأمة وتشتُّتها في الوقت الراهن هاجساً يؤرِّق كل الغيورين على مستقبل أجيالها ومصير قضاياها المهمة. والتساؤل الذي جرى طرحه في هذا السياق يتناول العلاقة بين الإعلام المقاوم وجمع شمل الأمة نحو وحدة كلمتها وتمتين صفوفها.

ويرى الأستاذ «رأفت مرّة» الإعلام المقاوم بوصفه جسراً حقيقياً بين المقاومة والأمة؛ من خلال لغة الاتصال والتواصل وتوجيه الرسائل المختلفة ذات الأبعاد العقلية والنفسية. ويفسّر الأستاذ «الصوّاف» هذه الرؤية قائلاً: إن الإعلام المقاوم يلعب دوراً كبيراً في جمع الشمل؛ لأن مقاومة العدو قضية إستراتيجية للأمة المحتلة أراضيها، وأصدق ما يمكن الحديث عنه فلسطين، وكيف تمكَّن إعلام المقاومة من إحياء الأمة وانتشالها من الهزيمة المعنوية التي حاولت الأنظمة بثَّها في النفوس تحت وَهْم وذريعة «عدم القدرة»، فكانت صورة المقاومة في فلسطين وإنجازاتها ضد العدو دافعاً ومشجعاً لبثِّ الحياة وإعادة الروح إلى جسد الأمة وأن هزيمة العدو باتت أمراً ممكناً.
ويستدل «الصوّاف» على ذلك بمجموعات بسيطة ومحاصرة، قليلة الخبرة والتدريب، تتمكن من إحداث هزيمة للعدو أو منعه من تحقيق أهدافه، وإظهار ذلك عبر وسائل الإعلام؛ ليغذّي ذلك جسد الأمة من محيطها إلى خليجها بجرعة معنوية كبيرة تؤهِّلها للتحرك؛ ثأراً لكرامتها.

ويقول الأستاذ «فتحي حماد»: يقول الله - سبحــانه وتعالى -: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ} [آل عمران: ٠١١]. فالأمة العربية والإسلامية تحمل رسالة سامية للبشرية، ولا يمكن أن يتوحد البشر إلا في ظل الإسلام؛ لذلك نسعى جاهدين لهذا الأمر، وهناك بشائر قرآنية تبشرنا بأن الأمة ستتوحد.
ويضيف الأستاذ «الرواشدي» إلى ما سبق قائلاً: إن إحياء فريضة المقاومة الجهادية وديمومتها هو الذي يبعث في الأمة الإرادة على تجاوز التحديات والشدائد وعلوِّ الكفار عليها، وأن تسمو مرة أخرى لتعود إليها الشوكة والريادة. وإعلام المقاومة يجمع بين مفهومَيِ الجهاد والإعلام، وهما وسيلتان ما شُرعتا إلا لتحققا مقاصد الشريعة الإسلامية المبنية على جَلْب المصالح ودَرْء المفاسد، وأعظم المصالح بعد كلمة التوحيد هي وحدة كلمة المسلمين؛ لذا يقول الله - سبحانه -: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصف: ٤].

ويتابع «الرواشدي» قائلاً: إن إعلام المقاومة الجهادية يشيع روح التماسك بين أبناء الأمة ويدعوهم إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً والدفاع عن حقوقهم الإنسانية وحرياتهم وكراماتهم.

وبالقدر ذاته الذي يدفع فيه الإعلام المقاوم الأمة نحو وحدة هدفها؛ يمكن للأمة إسناد إعلامها المقاوم وإفشال سياسات العدو ومخططاته، على اعتبار أن المعركة تستهدف كسب العقول والقلوب والمواقف، كما تستهدف كسب الأرض والخيرات والموارد والأسواق، وهو ما يعني توفر فرص المشاركة بالمقاومة الجهادية - عن بُعد - عندما يكون الجهاد في البلاد الإسلامية المحتلة غير متاح.

ويفصّل «الرواشدي» ذلك بقوله: «عندما نعمِّم أخبار المجاهدين في بلادنا وفي العالم أجمع، باللغة العربية أو الإنكليزية أو غيرهما من اللغات؛ فإننا نساهم بالجهاد الإعلامي، ونصبح مرآة حيّة للجهاد على الأرض، وعندما نحاجج وندحض من يشككون بالمقاومة الجهادية وجوداً وعملاً؛ فإننا ندعم المجاهدين على الأرض، ونمنع العدو من محاصرتهم سياسياً وإعلامياً، ونوجد أفضل الظروف السياسية والإعلامية لاستمرار المقاومة الجهادية ودعمها.
ولا يغيب عن بال الأستاذ «الرواشدي» في هذا السياق استعراض بعض الصور المهمة لتعزيز وحدة الصف، من خلال ابتعاد المجاهدين عن كل عمل يسيء إلى الجبهة الداخلية للمجتمع الإسلامي، وخاصة التكفير وحرمة دماء الأبرياء، وهي من المسائل التي أَوْلتها فصائل المقاومة العراقية اهتماماً متزايداً.

* أولويات الإعلام المقاوم:
تسخير الإعلام المقاوم لخدمة دين الأمة ومصالحها يتطلب إخضاع هذا الإعلام لفقه الأولويات، بحيث يتم توجيهه لإنجاز الأجندة المحددة وبلوغ الأهداف المرجوة.

وهناك العديد من الموضوعات التي تنتظر من الإعلام المقاوم أن يطرقها أو يستمر في التأكيد عليها في هذه المرحلة من تاريخ الأمة. وفي هذا الصدد يشير الأستاذ «الصوّاف» إلى أن إذكاء الشعور بالتفوق على العدو ورفض مقولة: إن قوته لا تُقهر، ونزع الخوف والوهن من نفوس الناس، وشحذ هممهم، وعرض إنجازات المقاومة وانتصاراتها وبيان صور قوتها وشجاعة أبطالها واختراقهم للحصون، وتقهقر العدو وإظهار حالة الرعب التي تصيبه جرّاء تلك المقاومة؛ كل ذلك يمثل أهم الأولويات الراهنة؛ لدوره في بثّ روح القوة والثقة والتحدي لدى الجماهير.

ويقترح الأستاذ «الرواشدي» على الإعلام المقاوم السعي باتجاه إبراز القضايا التي هي محل نقاش في الدوائر الإعلامية؛ سواء كان ذلك على الصعيد العام أو على صعيد البلدان المحتلة؛ كالعراق، ومن أهمها:

- البُعْد الإنساني في الرسالة التي يحملها الإعلام المقاوم «تنظيراً وتطبيقاً»، وأن يكون أنموذجاً عملياً لوصايا النبي # لقادة الفتح الإسلامي، مع الحرص على توثيق هذه النماذج وتقديمها.

- التأكيد على أن المقاومة تحرص على أن تجعل عملياتها بعيدة عن المدنيين، وأن معظم العبوات التي تنفجر بين المدنيين هي من طرف المحتل أو من الحكومة؛ بهدف إيقاع الفتنة بين المقاومة وأهلها من المدنيين، وأن المقاومة تحتكم إلى الشرع الإسلامي في كل عملها، وفضح ممارسات الحكومة الطائفية وقوات الاحتلال في قتل المدنيين دون الاكتراث بعدد أرواحهم المزهقة، وفضح ممارسات الاحتلال في اتخاذ مساكن المدنيين مقرات عسكرية ودروعاً بشرية للاختباء بينهم غير مكترث لتعريض حياتهم للخطر.

- التأكيد على أن المقاومة هي من أبناء الأمة الخيرين المدافعين عن بلدهم والذين رفضوا وقاوموا مشروع المحتل وتصدّوا له، وهم الممثلون الحقيقيون لإرادة الرافضين للاحتلال ومشاريعه، وأن المقاومة لا تدين بالولاء إلا لله، وأن أعمالها المسلَّحة تهدف إلى تحرير البلاد من الاحتلال ومرتزقته، وبناء الدولة وَفْق ثوابت الأمة وقيمها وبما يحقق العدل والمساواة واحترام الحقوق.

- التأكيد على أن المحتل الأمريكي جاء لتحقيق أهدافه وأهداف الصهاينة في قتل المسلمين وتفتيت وحدتهم ومصادر قوتهم، وتدمير العراق وتقسيمه إلى دويلات صغيرة تدخل في دوامة حرب أهلية لا تنتهي؛ ليتمكن اليهود من تحقيق حلمهم في بناء دولتهم المأمولة من الفرات إلى النيل، وأن المحتل أدخل العراق في دوامة العنف بعد أن أسلمه إلى الميليشيات الطائفية وترك إيران تعيث في أرضه فساداً. ولو أن المحتل كان حريصاً على العراق وشعبه وبناء دولته المستقرة؛ لاستطاع في غضون أشهر معدودات أن يدعم تشكيل نظام متوازن لقيادته.

- ضرورة تصحيح المفاهيم المضللة التي يروج لها الإعلام المضاد ضمن سياسته في الحرب الدعائية والنفسية؛ كالإساءة إلى الجهاد والمجاهدين، بل الإساءة إلى الرسالة الإسلامية التي بُعث بها النبي #، ولمز الجماعات الجهادية بافتقارها إلى البرامج السياسية وغياب القيادة عنها. والرد على القوى الأخرى التي تسعى لحرف المفاهيم الجهادية بالدعوة إلى أيديولوجيتها الضالة والمنهزمة باسمه، ومصادرتها لما حققته (المجاميع) الجهادية من نصر وتمكين وتوظيفه خدمة لأهدافها ومصالحها.

- تقديم البدائل المناسبة لمعالجة الوضع بعد خروج الاحتلال أو إعلانه جدولة الانسحاب، وهو ما يبعث بالاطمئنان لأبناء العراق وجيرانه.

وإن كانت هذه الأولويات تخص الحالة العراقية أساساً؛ فبالإمكان الاستئناس بها في تناول حالات العدوان الأخرى، مع الأخذ في الحسبان خصوصية كل حالة.

* موضوعية إعلام المقاومة:
السؤال المطروح في هذا السياق: هل يمكن وصف الإعلام المقاوم بالموضوعية في ظل اهتمامه بالتدفُّق الإعلامي في اتجاه واحد «ضد الاحتلال»؟ وهل بإمكان هذا الإعلام المواءمة ما بين الموضوعية والمصداقية والقدرة على الإقناع والتأثير؟

في إجابته عن هذا السؤال يرى الأستاذ «رأفت مرّة» أن الاحتراف والمهنية والتخصص والحقيقة والحذر من المبالغة والموضوعية؛ هي مواصفات أساسية لإعلام المقاومة. والموضوعية - هنا - تعني: الاقتراب من الحقيقة، وهي تختلف عن الحيادية، إذ لا يمكن للإعلام المقاوم إلا أن يكون منحازاً للمقاومة دون مبالغة أو مكابرة في التغطية والتحليل.

أمَّا الأستاذ «فتحي حماد» فإنَّه يرى أن الموضوعية يجب أن تتسم وَفْق أهداف وغايات سامية، فالموضوعية هي أن يكون هناك حرية لكل الناس، والموضوعية لا بد أن تأتي وَفْق تعاليم الإسلام؛ لذلك يجب أن تتفق الموضوعية مع تعاليم الإسلام.

من جانبه يرى القيادي «أبو مجاهد» أنَّ عبارة (الحرب خـدعة) لا تعني ضياع المصداقية لصالح تقوية حجة ومصداقية عدونا، بل في ظل الصراع الإعلامي القائم والمفتوح أمام كاميرات العالم تغدو الحقيقة والمصداقية سلاحنا الذي نتبارى على امتلاك أدلته. والفرصة التي تهيأت للمصور «طلال أبو رحمة» لالتقاط الفيلم التسجيلي لقتل الطفل محمد الدرة بدم بارد وعلى مدار دقائق عديدة، أو للمصور زكريا أبو هربيد في التقاط صورة اغتيال أسرة هدى غالية على شاطئ بحر غزة بقذيفة صهيونية، وغيرها من المشاهد التي تتكرر آلاف المرات ولم يتسنَّ لها أن تجد من يصورها؛ تدعم مصداقية الطرح الإعلامي المقاوم وموضوعيته.

ويوضح «أبو مجاهد» الفرق بين الحضور الإعلامي المتقدم في الانتفاضة الفلسطينية الحالية وبين الحضور الإعلامي في الانتفاضة الأولى والتي رغم قوة أحداثها ومدى افتراض تأثيرها الإعلامي إلا أنها لم تحظَ بمثل ما حظيت به الانتفاضة الثانية، إذ لم تتوفر القنوات الفضائية ولا المصورون في حينها.

من ناحيته؛ يعتقد الأستاذ «الرواشدي» أنه من غير المقبول أن تكون الموضوعية بتسويق مفاهيم العدو وادعاءاته في إعلامنا؛ خاصة أن وسائل العدو لم تفسح مجالاً لعرض قضيتنا من وجهة نظرنا أو القريبة منها، بل إن وسائل إعلام الغرب هي أبعد عن ذلك. وما محاربة الإدارة الأمريكية لقناة «الجزيرة» – رغم أنها لا تخضع للإدارة الأمريكية ولا للمقاومة أيضاً - إلا بسبب عرضها الحقائق بموضوعية ومهنية. قال القائد الأمريكي «كيمت» في آذار 2004م: «الحل الذي لديَّ هو تحويل هذه القناة - الجزيرة - إلى محطة جديدة شرعية ونزيهة وجديرة بالثقة، فالقنوات التي تظهر جنوداً أمريكيين يقتلون عن عمد نســوة وأطفـالاً لا تُعد مصادر إخبارية شرعية».

يتابع «الرواشدي» قائلاً: وفي آب من العام نفسه تحدث وزير الدفاع الأمريكي آنذاك «رامسفيلد» أمام مجلس العــلاقات الخــارجية فــي شيكاغــو عن قناتَيِ «الجزيرة» و «العربية» قائلاً: «إنهما أقنعتا شريحة واسعة من الناس أن الولايات المتحدة الأمريكية في العراق إنما هي قوة احتلال، وهذه أكذوبة واضحة، وإنهما تمكَّنتا من إقناع أناس آخرين بأن الجنود الأمريكيين يقتلون المدنيين الأبرياء بصورة عشوائية، وهذه أكذوبة أخرى»، ولم يشفع لهاتين القناتين استضافة أطراف الحدث جميعاً؛ خاصة الجزيرة التي تبنَّت سياسة الرأي والرأي الآخر.

ولم يغفل «الرواشدي» التأكيد على أن الإعلام المقاوم هو جزء من الإعلام الإسلامي الذي يعالج مرحلة تمر بها الأمة، وهي القتال في سبيل الله تعالى، وهذا يملي عليه سياسات إعلامية تتوافق وطبيعة المرحلة وخطورتها، ولا ضيرَ في إمكانية التوسع وإفساح المجال أمام الرأي الآخر. ومن ناحية أخرى؛ فإن موضوعية إعلام المقاومة تحتم عليه الوقوف على أخطاء الفعل المقاوم، وتحليل أسبابها وتداعياتها وكيفية تجاوزها بما يحفظ مشروع المقاومة، ومن يتدبَّر القرآن الكريم وخاصة آيات القتال، ويطالع السنة النبوية خاصة الغزوات؛ يجد شواهد كثيرة على ذلك.

* النهج الإستراتيجي للإعلام المقاوم:
يتحتم على إعلام المقاومة انتهاج إستراتيجية واضحة المعالم ينظر من خلالها إلى الأحداث بهدف تقييمها ومعالجتها. ويختصر الأستاذ «رأفت مرّة» أهم معالم هذه الاستراتيجية بـ: المصداقية في النقل، والعمق في التحليل، ونشر المعلومات الحقيقية.

ويعد الأستاذ «الرواشدي» المبدئية والواقعية والفاعلية والوضوح والاستمرارية ركائز متينة يعتمدها الإعلام المقاوم في رسالته الإعلامية، أي: أنه يجمع بين الشرعية في المنهج، والمعــاصــرة والتطــور في الوسائل والأسـاليب، والتكـامل في الـرؤيـة والتشخيـص والعـلاج. كما تقتضـي الحـاجـة أن لا يغلب الجانب العاطفي والانفعالي في تحليل إعلام المقاومة رغم أهميته في التعبئة؛ فديمومة العمل وتواصله يقوم على البعد الموضوعي، وعمق التحليل، ودقة التشخيص، والترابط المنطقي وَفْق سنن الله - تعالى - في الأفراد والجماعات، واعتماد الحقائق الموثقة والإحصائيات المدققة، فكلها عوامل تقوي العمل الإعلامي المقاوم.

ومن الجدير ذكره - كما يؤكد «الرواشدي» - أن يكون إعلام المقاومة مبادراً في مواقفه متجدداً في مادته، وأن يتجاوز مرحلة ردود الأفعال والتفكير في: ماذا يفعل الآخرون لنا أو ضدنا؛ إلى مرحلة الإعلام المبادر؛ بحيث يجعل العدو ووسائله الإعلامية تحتار في الرد وكيفية صدِّ هذه الأفكار المتجددة.

ويزيد «الرواشدي» القضية جلاء فيقول: ومن الأهمية بمكان أن يبقى إعلام المقاومة تواصلياً مع الحدث والجمهور، وأن يتجنب الاستعلاء والاستغناء والاستعداء، مع الاحتفاظ بالعزّة التي هي لله ولرسوله وللمؤمنين، وبالتميز من غير انغلاق يؤدي إلى الانعزالية، وعليه أن يلمَّ بطبيعة الساحة التي يعمل فيها؛ حتى لا يكون غريباً عن واقعها فيخطئ تشخيص الأحداث ومعالجة آثارها.

ومع تعدُّد التحديات وتكالب الخصوم؛ فعلى إعلام المقاومة أن يوظف التعريض والتلميح والخطاب غير المباشر ليصلح الناس من غير إحراج، وليتجنب الآثار التي يولدها التصريح خاصة مع أبناء جلدتنا من النفور والفجور، فقد كانت الحدود الشرعية تدفع في ساحات القتال خشية أن يفرَّ أصحابها إلى العدو. وهذا يستدعي أن يستثمر إعلام المقاومة طاقات الأمة وإمكاناتها كافة، وأن يوظف الكفاءات والخبرات جميعاً، كل في مجال عمله؛ ما دامت ضمن الولاء العام للإسلام، والعزيمة الصادقة في نصرة قضايا الأمة؛ فمعركة الأمة أوسع من حصر العمل الإعلامي المقاوم في دوائر ضيقة.

ويرى الأستاذ «الصوّاف» من ناحيته أن من أهم مرتكزات إستراتيجية الإعلام المقاوم: التقييم الموضوعي للعدو دون مبالغة أو تهوين، ووضع الأمور في نصابها، والبحث عن مواطن الخلل في النظام الاجتماعي له، ودراسة سيكولوجية سكانه، والتركيز على مواطن الضعف واستغلالها بما يخدم مصلحة الإعلام المقاوم، ويمكِّنه من توصيل رسالته بأسرع وقت ممكن وبأقل التكاليف الزمنية والمادية، وكذلك القدرة على التغلغل والوصول إلى الرأي العام المتعلق بالعدو وفهم الأساليب المؤثرة فيه؛ حتى يتم صياغة الرسالة الإعلامية المناسبة والعمل على متابعة ردود الأفعال لتعديل السلوك من قِبَل الإعلام المقاوم.

أما القيادي «أبو مجاهد» فيؤكد على وجود مدرستين إعلاميتين؛ ترتكز الأولى على جرائم عدونا والجوانب المأساوية لفواجع شعبنا ومعاناته اليومية، ويتبنَّى إستراتيجيتها أصحابُ النهج التفاوضي واستدرار تعاطف الرأي العام، وهو الأمر الذي قد يعود سلباً على غرس فكر المقاومة والتحدي في أذهان الناس حين يقوم ذلك الإعلام بالتركيز على مواطن جراح شعبنا ويهمل كل مواطن قوته وتأثيره وإيلامه للعدو حتى يصل به الأمر إلى تسخيف المقاومة ووسائلها. أما المدرسة الثانية فإنها تتعالى على الجراح وتستلهم من صبر شعبنا وإرادته وبإمكانياته المتواضعة قوة التحدي والمواجهة، فتبرز العمل المقاوم وإرادة المقاومة وصمود الشعب واستعداده للتضحيات.

* تأثير الإعلام المقاوم على الرأي العام العالمي:
يسعى الإعلام المقاوم بشكل حثيث من أجل ترسيخ مكانته الإعلامية؛ بغيةَ الوصول إلى تأثير منشود في اتجاهات الرأي العام العالمي.

ومع احتدام النزاع مع قوى العدوان يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نجح الإعلام المقاوم في توصيل رسالته إلى الغرب والناطقين بغير العربية؛ أملاً في التأثير على الرأي العام الدولي لخدمة قضايا الأمة؟

أجاب عن هذا السؤال الأستاذ «فتحي حماد» حيث جزم - بقوة - بنجاح الإعلام المقاوم في فلسطين بإيصال رسالته إلى العدو الأمريكي والصهيوني،  فقد اعترف العدو الصهيوني بهزيمته أمام الإعلامي الحمساوي - على حدِّ قول الأستاذ «فتحي حماد» - وذلك في نقطتين، هما:

1 - أننا تغلبنا عليه في استنهاض العالم الإسلامي واستنفاره عن طريق الحملات الإعلامية التي أدت إلى الخروج في المسيرات والمهرجانات والاعتصامات التي عمَّت جميع الدول العربية والإسلامية والأوروبية.
2 - كذلك في تغطية معركة المحرقة التي حصلت في شمال قطاع غزة حيث اعترف العدو الصهيوني بالهزيمة أمام إعلام حماس، فقد استطاع إعلام حماس أن يستغل المحرقة لصالحه، وكانت التغطية الإعلامية الحمساوية تغطية ناجحة.

ويعتقد الأستاذ «الصوّاف» أن إعلام المقاومة نجح على الأقل في التأثير على الواقع القريب ذي الصلة، أما الرأي العام العالمي وبعد خلط المفاهيم وعدّ المقاومة إرهاباً؛ بات من الصعب تغييره خصوصاً أنه في الأساس معادٍ ومنحاز، لكن يمكن التأثير فيه إلى حدٍّ ما؛ ليكون حيادياً على أقل تقدير، أو مؤيداً من خلال التذكير بأن المقاومة ليست من أجل القتل، بل لاسترداد الحق وبقصد الدفاع عن النفس المقرِّ دولياً.

ولا يبتعد الأستاذ «الرواشدي» كثيراً عما يطرحه «الصوّاف»؛ إذ يعدّ تغيير قناعات الغرب ليس بالمهمة السهلة، إذ فشلت وسائل الإعلام العربية على سعتها وتساهلها وتبعيتها للغرب في تحسين صورة العربي في الأوساط الغربية؛ فكيف بالمسلم المجاهد؟ كما أن محدودية وسائل إعلام المقاومة، وانعدام امتلاكها للوسائل الجماهيرية - مؤخراً أطلقت حركة «حماس» قناة «الأقصى» الفضائية - ساهم في إضعاف هذا الجانب، مُضافاً إليه افتقار فصائل المقاومة للغة خطاب موجهة إلى الغرب، مع تقديرنا - كما يقول - للمحاولات الجادة لحركة «حماس» في تجاوز ذلك، علماً أن المقاومة تخضع لحصار إعلامي شديد فرضته السياسة الأمريكية والأنظمة المنقادة لها.

ولا يغضُّ «الرواشدي» الطرف عن اغتنام فصائل المقاومة لهامش الحرية البسيط من خلال بعض القنوات الفضائية غير الرسمية؛ ليكون لذلك دور في التأثير على الرأي العام العالمي. ويستشهد بحادثة مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي شكلت صورته مع رسائل فصائل المقاومة الفلسطينية وخاصة «حماس»؛ رسالة موجهة إلى الرأي العام؛ قلبت موازينه وجعلت الغربيين يصوتون في استطلاع للرأي قبل سنوات بأن الكيان الصهيوني يمثِّل المشكلة الأولى في أزمة صراع الشرق الأوسط. كما أثبتت الأفلام التسجيلية للمقاومة الشيشانية حضوراً لها في الساحة العربية والإسلامية. وفي العراق قطعت فصائل المقاومة شوطاً طيباً في الترويج الإعلامي لها، واستطاعت أن تعوِّض افتقارها إلى الوسائل الجماهيرية بوسائل عصرية وفي مقدمتها مواقع شبكة «الإنترنت»؛ إذ لدى أغلبها مواقع رسمية، ومنها ما يحوي قسماً باللغة الإنكليزية، كما نجد موقعاً بعنوان (قنَّاص بغداد) يقدم خدماته بتسع لغات حيّة، فضلاً عن إصدار هذه الفصائل ما يزيد على (70) إصداراً مرئياً.

وقد أقرَّت جهات عدة - كما يضيف «الرواشدي» - بالتفوق الإعلامي للجماعات الجهادية في العراق وتأثيرها في الرأي العام الغربي، منها: مجموعة الأزمات الدوليّة  (ICG) في تقرير لها عمَّا أسمته «التمرد العراقي»، وذلك في 15/2/2006م بعنوان «من حديثهم الخاص: قراءة في التمرد العراقي»، ويحمل الرقم (5) في قسم الشرق الأوسط. ويوضح التقرير أن مواقع «الويب» و «الدردشة» على الإنترنت وأشرطة الفيديو والبيانات والإعلانات؛ لعبت دوراً كبيراً في الربط بين مجموعات المتمردين وشبكاتهم وبين المتعاطفين معهم والمؤيدين لهم، وأنه في السنتين الماضيتين زاد تأثير مثل هذه الوسائل وتم استخدامها بشكل ذكي من قِبَلهم. ويستنتج التقرير أن ما أسماه بـ «التمرد» خاضع لهيمنة بعض المجموعات الكبيرة وإدارتها عبر طرق معقدة، فهو لم يعد بعد الآن ظاهرة فوضوية عصبية مبعثرة؛ فالمجموعات منظمة بشكل جيد؛ وتصدر منشورات منتظمة، وتتفاعل بشكل سريع مع الأحداث السياسية، ولديها مركزية مدهشة للغاية، وقد حصل منذ مدة تقارب تدريجي ومنسَّق بين هذه المجموعات، وأصبحت تعتمد على تكتيكات ووسائل شبه موحدة، وتغلب الهوية السنية على هذه المجموعات كلها بعد أن كانت منقسمة قبل ذلك في عملها وأيديولوجيتها، وقد أوصلتها المناقشات والمناظرات التي جرت بينها إلى رؤية مشتركة تقوم على التشريع الإسلامي والاستجابة لمظالم العراقيين وشكاويهم.

ويخلص «الرواشدي» في هذا المجال إلى القول: إن تصاعد الرفض الشعبي وحتى الرسمي في الغرب للحرب في العراق واتساع دائرة المطالبين بسحب القوات الأمريكية وتداعيات ذلك في انتخابات الكونجرس الأمريكي والانتخابات الرئاسية؛ كل ذلك له مؤشرات على أن إعلام المقاومة استطاع أن ينجح ولو جزئياً بالنفاذ إلى الشعوب الغربية عامة والأمريكية خاصة، وأن يؤثر في الرأي العام هناك.

ويعزز الأستاذ «رأفت مرّة» هذا الاتجاه بقوله: «صحيح أن المقاومة لا تمتلك وسائل إعلامية ناطقة بلغات العالم الأساسية؛ إلا أن ثورة الاتصالات والمعلومات ساعدتها في التعريف بأهدافها وبرامجها ومواقفها في كل العالم». وهذا ما ذهب إليه الأستاذ «الصوّاف» أيضاً، حيث بيَّن أن الإعلام المقاوم نجح في توصيل رسالته إلى الغرب إلى حدٍّ ما، وحرك العديد من المواقف في الشارع الغربي من خلال عرض صور حقيقية ومباشرة لجرائم العدو وإرهابه.

ويتبنى القيادي «أبو مجاهد» الرأي ذاته، مع التأكيد على أن الرسالة الوطنية والإعلامية الموجهة إلى الرأي العام ليست الاستجداء، لكنها رسالة تثبيت للحقوق والإبقاء على جذوة القضية الفلسطينية حيّة، حتى تتواءم ظروف التحرير.

* فلسفة بث الصورة:
يُجمِع أصحاب الإعلام والرأي على أن المزاج العام يتأثر بمشهد الحدث وصورته أكثر من تأثُّره بسماع تفاصيله، والصورة - كما يقول الأستاذ «رأفت مرّة» - مهمة جداً في التعبير والتأثير، وهي شاهد على الحدث، وأداة للمصداقية، ودليل يمكن البناء عليه في مسائل نقل الحقيقة أو التعبير عن موقف؛ فصورة جندي صهيوني يبكي بعد عملية للمقاومة لها دلالات كبيرة وهامة.

ويقول الأستاذ «فتحي حماد»: من المؤكد أن للصورة تأثيراً كبيراً، فقد أصبحت الفضائيات ضيفاً دائماً في البيوت؛ لهذا نحاول أن نطور في تأثير الصورة حتى يكون لها أشكال متعددة، مثل: التأثير بالفاصل و (السكتش) والأنشودة والتمثيل والتقرير، وبفضل الله خلال أقل من عامين استطعنا أن نسجل نجاحات كبيرة في هذا الإطار.

ويتفق السيد «أبو مجاهد» مع وجهة النظر السابقة، عادّاً كلَّ صورة يتم التقاطها من ميادين الأحداث سواء كان بأيدي صحفيين مهنيين أو بأيدي متطوعين فدائيين؛ سندَ إثبات لحقيقة مهمة وورقة رابحة في مسيرة التقدم والانتصار على أكاذيب العدو وإعلامه. وكم تجلَّت كذبة حقوق الإنسان وادِّعاء الإنسانية عندما تسرَّبت الصور الخارجة من سجن أبي غريب العراقي بأبشع الأساليب الحيوانية في امتهان إنسانية الإنسان حين عرضت حال الأسرى العراقيين.

* إنجازات ومكاسب:
رغم ضعف الإمكانات، وضيق مساحات التحرك، وثقل الحصار الإعلامي؛ إلا أن لإعلام المقاومة إنجازات وانتصارات ومكاسب. ويذكر الأستاذ «رأفت مرّة» بعض هذه الإنجازات، وتتمثل في: التعريف بالمقاومة ومشروعها ورموزها وقيادتها، ونقل وجهة نظرها وشرح رأيها، وإظهار نقاط ضعف العدو والخلل السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي في بنيته، ثم تعبئة المجتمع ثقافياً ونفسياً مع مشروع المقاومة.

ويستدل الأستاذ «الرواشدي» بالحالة العراقية مرة أخرى لبيان جملة من الإنجازات:

أولها: التأثر الواسع للجمهور برسالة المقاومة والأدلة على ذلك:
- تزايد تأييد الرأي العام للمقاومة في العراق وحرص الكثير على متابعة أخبار المقاومة وتبنِّي مواقفها، وتعبئة الجماهير لها على مدى السنوات القليلة الماضية.

- إقرار قادة البيت الأبيض بارتكابهم آلاف الأخطاء في العراق، وإقرار وزير الدفاع بتفوق إعلام المقاومة على إعلام الحرب الأمريكي.

- عدّ المقاومة في العراق حقاً مشروعاً كما جاء في البيان الختامي لمؤتمر الوفاق الوطني الذي تم برعاية جامعة الدول العربية، رغم عدم مشاركة ممثلين عن المقاومة.

- تغير لغة خطاب القيادات الأمريكية والحكومة الموالية لها، فقد كانت في السابق تطلق على المقاومة صفة الإرهــاب أو التمرد دون استثناء، ثم بدأت تسميها بـ (المجاميع المسلَّحة).
ثانيها: استطاعت هذه (المجاميع) أن تفرض نفسها على الساحة العراقية؛ عسكرياً، وسياسياً، وإعلامياً، وشعبياً، والدليل على ذلك:

- تسابق قادة الإدارة الأمريكية وخاصة سفيرها في بغداد وكذلك «جلال الطالباني» و «نوري المالكي» و «موفق الربيعي» في الإعلان عن لقائهم ببعض (المجاميع)، وكأنهم يحرصون على كسب رضى الرأي العام المتنامي في تأييده للمقاومة.
- الإقرار بأن أي مشروع سياسي أو وطني لا يكتب له النجاح إلا بموافقة المقاومة أو حضورها فيه، كما أقر ذلك المنسقون للمؤتمر الثاني للوفاق الوطني وكذلك لجان مشروع المصالحة الوطنية.

- الحضور المتزايد لقادة المقاومة في وسائل الإعلام، والتحليلات والتقارير الإخبارية عن المقاومة وحرص هذه القنوات على الاتصال بالناطق الرسمي أو الإعلامي لتلك الفصائل. يقول أحد المحللين العراقيين عن المقاومة: «هي لا تملك اليوم جيشاً منظماً من المقاتلين وحسب، بل ذراعاً إلكترونية ضاربة أيضاً، برهنت على أن في وسعها اختراق الحصار الإعلامي المضروب، بل إن نشرات الأخبار في أهم المحطات الفضائية العربية والعالمية صارت تعتمد بشكل مكثف على الأنباء الساخنة التي تنشرها المقاومة في مواقع متعددة على الشبكة».

- إقرار الكثيرين بنضوج العمل العسكري والقوة السياسية والتقدم الإعلامي للمقاومة.
- التزايد المستمر لزوار مواقع المقاومة ومتصفِّحيها، وكثرة الردود والرسائل التي تصل إليها.
- استطاعت المقاومة أن تجد لها رموزاً حظيت بالتأييد الجماهيري، مثل: قنّاص بغداد.

ثالثها: إن تأثير الاستجابة يتفاوت من مجموعة إلى أخرى:
لذا من الضروري على المؤسسات الإعلامية التابعة للفصائل المقاومة أن تحرص على استقبال الاستجابات، أي: ردود الأفعال من قِبَل الجمهور المستقبل للرسالة الإعلامية؛ لمعرفة مدى تأثير وسائل الإعلام وقدرتها على الإقناع والتغيير؛ بحيث تستخدم هذه المعرفة مقياساً لتحديد التقدم الذي أحرزته، وتحديد النقاط السلبية التي حالت دون أداء الرسالة الإعلامية لمهمتها؛ كما يقول «الرواشدي».

ويتخذ الأستاذ «الصوّاف» من عملية أسر المقاومة الفلسطينية للجندي الصهيوني «جلعاد شاليط» إنجازاً استثمره الإعلام المقاوم ليشير إلى مواطن القوة رغم قلة الإمكانات، ويمنح الشعوب العربية والإسلامية شحنة معنوية قوية أيقظتها من حالة الخداع والوهم التي رسختها ممارسات الأنظمة الحاكمة ضدها.

أمَّا الأستاذ «فتحي حماد» فيقول: الإعلام المقاوم أصبح مدرسة جديدة يتدخل في كل شيء؛ في الثقافة والبناء المقاوم للغزو الفكري والاقتصادي والسياسي. استطعنا في عدة محطات أن نصل إلى تأثير كبير حينما قامت فضائية (الأقصى) بقيادة النهضة والهبَّة الجماهيرية العربية والإسلامية والعالمية، ونستطيع أن نقول: إننا سجَّلنا في هذا الإطار نجاحات كبيرة عندما تصبح فضائيتنا تستنهض الأمة بأكملها، ولدينا خطط قادمة للتأثير والتطوير، وتسجيل نقاط إيجابية في هذا المجال؛ حتى نصل إلى درجة الانتفاضة الإسلامية الكبرى؛ ومن ثم يكون هناك ثورة على التــأثير الأمريكي أو الغزو الأمريكي - الصهيوني.

* صناعة المصطلحات:
يعتقد الأستاذ «مصطفى الصوّاف» أن الإعلام المقاوم قد نجح في إعادة صياغة المصطلحات بما يتوافق والرسالة الجهادية المقاومة للعدوان، ويتضح ذلك - كما يقول - من خلال تفاعل الرأي العام في الدول الإسلامية وتبنِّيه مواقف الإعلام المقاوم، الذي استطاع - رغم كثافة الضباب الإعلامي المضاد - ربط القضية ببُعْدها العربي والإسلامي وإعادتها إلى حضنها الحقيقي والطبيعي، بعد كل محاولات اختصارها في قضية صراع فلسطيني - صهيوني.

ويعدّ الأستاذ «الرواشدي» حرب المصطلحات امتداداً للحرب النفسية، كما أن المصطلحات تلعب دوراً مهماً في رسم السياسات وافتعال الأزمات، فنجد مصطلحاً واحداً له تداعيات وآثار تؤدي إلى حروب دولية وصراعات حضارية، وسيطرة الغرب على وسائل الإعلام مكَّنت هذا المصطلح من اعتماد سياسة التلاعب الاصطلاحي الذي يساهم في تغييب الحقيقة، ويوجد مساحة من الغموض تفيده في تمرير أهدافه، وهذا يفرض التبعية الإعلامية له والتي لم يتم الكشف عنها إلا بشكل محدود، ومن ذلك: مصطلح «الإرهاب».

لقد وظف العدو الأمريكي - كما يقول «الرواشدي» - كل طاقاته في الحرب؛ بدءاً من أسلحته المتطورة وأمواله الطائلة وآلته الإعلامية الدعائية الضخمة، وأجبر وسائل الإعلام الأخرى على السير في ركب مخططه الدعائي، ودَأَبَ على تشويه صورة المقاومة الجهادية في أذهان الرأي العام المحلي والعالمي؛ من خلال التلفيق والدعاية الكاذبة واعتماد مصطلحات في إعلامه وإعلام من يواليه حتى أصبح من الصعب تجاوزها من قِبَل المؤسسات السياسية والإعلامية حتى المناهضة للاحتلال، مثل: مصطلحات (الإرهاب، المقاتلين الأجانب، التحرير، الديمقراطية، الفوضى الخلاقة، العنف الطائفي). كما وظف العدو الأمريكي مفهوم الكلام المزدوج للتضليل والتشويه بشكل لا يثير الانتباه، مثل: (التحرير بديلاً عن الاحتلال، والإرهاب بديلاً عن المقاومة، والتطهير العرقي بديلاً عن عمليات الإبادة البشرية، ومصطلح الإسناد الجوي بديلاً عن القصف، والضرر غير المباشر بديلاً عن قتل الأبرياء.. وهكذا).

ويذكّر «الرواشدي» بالنهج الأمريكي في الحرب النفسية تجاه فصائل المقاومة، والذي يكون من خلال: التضييق الإعلامي عليها، واتهامها بمناهضة الحرية، وأنها جماعات استبدادية قمعية، وحركات دينية راديكالية (تشبيه ذهني بالقرون الوسطى)، وهي منعزلة عن العالم، وخارجة عن الشرعية الدولية، وأخيراً إرهابية تستهدف قتل المدنيين بالتفجير والذبح والعنف الطائفي، وتعادي الديمقراطية وتصادر الحريات.

ومن تداعيات حرب المصطلحات - كما يقول «الرواشدي» - انحسار المفاهيم الإسلامية؛ فعلى سبيل المثال: نجد أغلب وسائلنا الإعلامية لا تتداول لفــظــة (مجاميـع جهادية) أو (الجهاد في العراق)؛ هذا في وسائلنا؛ فكيف الحال في وسائل الإعلام الأخرى؟! وقد تلجأ بعض الفصائل إلى تداول مصطلح «المقاومة» وإدراجه في اسمها؛ من باب أنه لا مُشَاحَّة في الاصطلاح، ولدفع ما يمكن دفعه في المعركة، وأن تعدد الواجهات يربك العدو ويعطي المجاهدين مساحة أوسع للعمل، ومع ذلك لا بد لوسائل الإعلام من أن تروِّج للمصطلحات الشرعية وتتجنب تبعية ذلك بنسبتها إلى مصدر تلك (المجاميع).
ورغم ذلك كله يعتقد الأستاذ «الرواشدي» أن إعلام المقاومة استطاع إلى حدٍّ ما أن يعيد التوازن في حرب المصطلحات؛ بترسيخ المفاهيم الواقعية لها وخاصة مفهومَيِ الاحتلال والمقاومة المشروعة؛ سواء كان ذلك على المستوى الجماهيري أو الإعلامي أو الرسمي، فنجد اليوم دولاً كثيرة تسعى إلى اللقاء بفصائل المقاومة وترفض تغييبها عن المشهد العراقي، بل استطاع إعلام المقاومة أن يرسخ أسماء الجماعات الجهادية بعد أن كانت محظورة في وسائل الإعلام.

ويؤكد الأستاذ «فتحي حماد» أنَّهم - بوصفهم إعلاماً مقاوماً عبر قناة (الأقصى) - يساهمون في جزئيات كبيرة جداً في التغيير الذي يحدث الآن عن طريق الصحوة الإسلامية في المصطلحات والأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكل شيء.

ويضيف الأستاذ «فتحي»: نحن نساهم بقدر كبير في عملية التغيير؛ عن طـــريق الإعلام، وعن طريق إعـــادة صياغة العقلية العربية، وأن نتبنى الفكر الإسلامي المتقـــدم والقوي والذي يحاول أن يتخلــص من الهــزيمة التــي ضــربت العـــرب والمسلمين، وقد تقــدمنا في هذا الاتجاه ولله الحمد، وبفضل الله - سبحانه وتعــالى - أصبحت المصلحــات الإعلامية الإسلامية التي تبثُّها فضائية (الأقصى) مصطلحات عالمية.

* معوقات وعراقيل:
كثيرة هي المعوقات والعراقيل التي تعترض سبيل الوسائل الإعلامية المقاومة؛ لتحول بينها وبين بلوغ أهدافها ومراميها. ويُجمِل الأستاذ «الصوّاف» هذه المعوقات في: تصدي أجهزة الإعلام الدولية الكبرى للوسائل الإعلامية المقاومة، وكذلك مواقف القوى الكبرى كأمريكا التي تمتلك السيطرة على أجهزة الاتصالات الدولية عبر القوة وفرض أساليب القرصنة والضغط على دول العالم المالكة للتقنيات بضرورة التصدي لإعلام المقاومة وحرمانه فرصة إيصال رسالته الإعلامية. كما أن استهداف العدو لطاقات الإعلام المقاوم وإمكاناته وتهديداته المستمرة بقصف مقراته وتدميرها تُعد من أكبر المعيقات، هذا إلى جانب ممارسات أنظمة الحكم الاستبدادية ضد الإعلام الحرّ والمقاوم ومحاولات إيقاف بثِّه أو منعه.
ويقول الأستاذ «فتحي حماد»: هنــاك عــدة عقبــات تواجه الإعلام المقاوم؛ كالعــدو الأمــريكي والعدو الصهيــوني وما يتبعهما من المنافقين الذين يلبسون ثوب العروبة والإسلام؛ لأن هناك قطباً واحداً في العالم هو أمريكا، وأمريكا تريد أن تركِّع كل العالم لها، وأن تنهب ثرواته، وأن تطبق ديمقراطية على مزاجها وحسب ما ترتئيه وَفْق مصالحها الخاصة، ومن ثم نحن نجد أن من يعيق الإعلام المقاوم هو أمريكا ومن على شاكلتها، وهناك أيضاً عوائق اقتصادية وفنية وقليل من الحرية التي يتمتع بها الإعلام المقاوم، وكثرة التهديدات التي تُرسل إلينا من أمريكا والعدو الصهيوني ومن نافق لهما.
ويعدّ الأستاذ «رأفت مرّة» الملاحقة الدائمة من قِبَل العدو للإعلام المقاوم، ومحاولات التدمير والقصف والاغتيال، وقلة الموارد المادية، والحاجة إلى كفاءات مهنية في مختلف الاختصاصات تكون مستعدة للتضحية؛ أهمَّ المعوقات التي تعترض سبيل الإعلام المقاوم.


المصدر/ مجلة البيان