جيش بلا بوصلة! د. جاسم الشمري


حق   1/25/2015 عدد القراء 15289

في السادس من كانون الثاني من كل عام يحتفل العراقيون بذكرى تأسيس جيشهم الوطني، هذا الرمز الأصيل، الذي عُرف بصلابته، وقدراته البدنية

والتكتيكية والاستراتيجية في العديد من المعارك، وهذا الأمر ليس بحاجة إلى براهين وأدلة، بل هو من الأمور المسلمة، التي لا جدال عليها بين أعداء العراقيين قبل أصدقائهم، هذا الجيش العرمرم نجده اليوم – مع الأسف الشديد - في حالة يرثى لها.

بعد احتلال العراق أصدر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر قراره التآمري؛ القاضي بحل الجيش وبقية المؤسسات الأمنية؛ ونتيجة لهذا القرار الانتقامي ذهبت جميع تشكيلات الجيش، والمؤسسات الأمنية أدراج الرياح، ومُحيت الخبرات المميزة والثمينة من الذاكرة العسكرية، والأمر لم يتوقف عند هذا المستوى، بل إن الكليات العسكرية تعرضت للغدر العلمي، مثلما هو حال عموم مؤسسات الدولة، ولم يبق من تلك الخبرات العسكرية إلا بعض الرجال الذين هم اليوم متناثرون في أرجاء العالم، ومن بقي منهم في العراق فهو في مربع الرعب والتهديد.

اليوم عموم المؤسسة العسكرية في العراق في حيص بيص، ولا توجد استراتيجية وطنية، ولا عقيدة جامعة، سوى عقيدة الانتقام، والثأر، واللاإنتماء للوطن!

جيش العراق بعد عام 2003، لم تكن لديه هوية واضحة، ولا قيادة بارزة، واليوم وزارة الدفاع بعد أكثر من عشر سنوات من اللعبة السياسية لها أكثر من وزير، وهؤلاء الوزراء منهم الرسميون، ومنهم غير الرسمين، فالوزير "الرسمي الوحيد" هو خالد العبيدي، الذي تميز بالتصريحات الإعلامية البعيدة عن واقع العمليات الميدانية، ومن أبرز تصريحاته الترويجية هي وعده نهاية شهر كانون الأول الماضي بـ"تحرير الأنبار خلال شهر"؛ واليوم نجد أن مجريات العمليات العسكرية لا تسير لصالح الآلة الحكومية؛ على الرغم من الدعم الدولي عبر الطائرات، التي شنت - حتى الآن - أكثر من ألفي طلعة جوية، وكذلك الآف المستشارين، فضلاً عن أرقى أنواع الأسلحة!

 أما الوزير الآخر - وهو وزير من الداخل - فهو هادي العامري، زعيم مليشيا بدر، والعامري يقود حالياً مجمل المعارك ضد الأهالي داعش في ديالى وسامراء بحجة مقاتلة!

أما الوزير الثالث - وهو من خارج العراق - فهو قاسم سليماني، قائد مليشيات الحرس الثوري الإيراني، وحقيقة كون أن سليماني هو الذي قاد – ويقود حالياً – العديد من القطعات الحكومية، ومليشيات الحشد الشعبي أكدتها وسائل الإعلام الأجنبية قبل المحلية، وكذلك أكدها أكثر من زعيم من زعماء الحكومة في بغداد.

القائد العام للقوات المسلحة، ورئيس الحكومة في بغداد حيدر العبادي ذكر يوم الثلاثاء الماضي خلال لكلمة له في حفل تخرج مجموعة من الضباط أن" الجيش سيتمكن من ترتيب الأوضاع في البلاد"، ثم قال "أدعو أبناء العشائر لقتال داعش"، والسؤال هنا: إذا كان أبناء العشائر هم الذين سيقاتلون داعش فما هو دور الجيش، وما هو دور أكثر من ربع مليون مقاتل في مليشيات الحشد الشعبي؟!

التحليل المنطقي يؤكد أن دعوة الحكومة العشائر لتنظيم الملف الأمني هو جزء من استمرار المشكلة في البلاد؛ وإلا فإن الحل يكون بتنقية الجيش، وسائر المؤسسات الأمنية من المليشيات، والعمل الجاد لإيجاد الحلول الجذرية لعموم القضية العراقية، ولا أظن أن التركيز على الجانبي الأمني سيؤتي ثماره؛ طالما أن أصول المشكلة، وهي التهميش والاقصاء والظلم ما زالت مستمرة في بلادنا.

العسكرية الحقة هي التي تكون لجميع أبناء الوطن، ولا تفرق بين المواطنين اعتماداً على دينهم ومذاهبهم وعروقهم؛ لأن ذلك جزء من الخراب، الذي ينخر جسد عموم المجتمع، ويفترض بالأجهزة الحكومية أن تكون أدوات للبناء والاصلاح، لا معاول للخراب والتدمير.

نتمنى أن نرى جيشاً وطنياً نتباهى به أمام العالم، جيشاً خالياً من المليشيات، ولا يفرق بين العراقيين، ويكون حيادياً، ويستفاد من خبرات رجال العراق، الذين اضطروا للابتعاد عن الوطن؛ نتيجة الظلم والدمار والخراب

فهل سنرى هذا الأمر، أم أننا سنبقى ندور في فلك الخطابات والوعود، التي لا تغير من حقيقة الواقع شيئاً؟!