سايكولوجيا الانحراف السياسي... د. طه الدليمي


حق   2/19/2015 عدد القراء 15583

أكثر الناس يأبى إلا أن يمر بجسده على مبضع التشريح؛ لذا يعيد التاريخ نفسه عليهم. ومن لا يقرأ التاريخ يتولى التاريخ قراءته. فكيف وبين أيدينا النيران، بل النوران: الكتاب والسنة!

الازدواجية أدوى أدواء السياسة

ضع هذا أمام عينيك ثم تعال معي لنرى أخطر ما في السياسة، ألا وهو (الازدواجية)! عندما يكون السياسي: فردأً أو جماعة في العلن غيره في السر؛ متصوراً أنه قادر على تحقيق التوازن بين ما يؤمن به وما لا يؤمن. محافظاً على الأول، خادعاً خصمه في الثاني. وكانت النتيجة أن صار الخداع للأتباع، والتبعية للخصم!

لاحظ كيف استُدرج (الإخوان المسلمون) رغم إيمانهم العميق عند التأسيس بمبدأ وعقيدة (الحاكمية)، عندما انغمسوا في العمل السياسي، حتى تخلوا عنها مع أنها أهم وأعلى ثوابتهم. تحولت (الحاكمية) لديهم إلى (حكم) مجرد عن مضمونه الرباني. ثم لم يصعب بعد ذلك تبرير هذا التحول الفكري الخطير بأدلة شرعية يتأولونها. هكذا تأولوا لأنفسهم الإعراض عن تطبيق الشريعة عندما وصلوا إلى السلطة في أكثر من قطر بأمور منها تفسير قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة:256) حاملين إياه على الشرائع العملية مع أنه في أصل العقائد الإيمانية. وتجويزهم حكم غير المسلمين للمسلمين، وغيرها. حتى قال قائل منهم([1]): "مشكلة العراق في المشروع الإسلامي؛ لأنه إما شيعي فلا يدخله السنة، وإما سني فلا يدخله الشيعة. والحل في مشروع علماني ليبرالي ديمقراطي. وإلا كانت النتيجة تقسيم العراق".

 

تقسيم الشريعة إذن ولا تقسيم العراق! وصدق الله تعالى إذ يقول: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر90-94).

 

عندما دخل الحزب الإسلامي العراقي العمل السياسي بعد الاحتلال برر ذلك بأن هذا من باب الاضطرار؛ فهو السبيل الوحيد لحماية السنة، والتعرف على مكائد العدو من داخله لتجنبها أو مواجهتها قبل أو بعد الشروع بتنفيذها. ثم في النهاية وجدناه يذوب في دولة الشيعة ومشروعهم، ويرضى بالوضع دون نية في التغيير لإنقاذ أهل السنة مما هم فيه عن أي طريق سوى ما هم فيه من عمل سياسي بائس رغم ثبوت فشله.

وانظر هل تكاد تجد سياسياً من ذوي الالتزام الديني خلال السنين الماضية ثبت على ما هو عليه من الحق، وكان له موقف ثابت أو وجه واحد وكلام واحد؟ حتى رأينا التلون السياسي ينتقل إلى حياته الخاصة وعلاقاته مع أصدقائه.

 

فكيف يحصل هذا التغير أو التحول عن المبادئ، بحيث لو قيل للسياسي أول الأمر إنك ستصل إلى هذا المستوى في النهاية لما صدق، ولربما رفض الانغماس في ما هو مقبل عليه من العمل الذي سيؤدي به إلى هذه النهاية!

الأمر لا يعدو سلسلة من التداعيات النفسية المترافقة بتداعيات فكرية، تبدأ من نقطة تنازل أولى، ثم تأخذ حركة التداعيات مسارها حتى النهاية، كمثل راكب فرساً أخذ بها على وادٍ شديد الانحدار فتدهدهت به؛ فما عاد يمكنه الإمساك بها مهما حاول بزمامها حتى تصل به قرارة الوادي! وقد انتبه أسلافنا إلى هذا الملحظ النفسي الخطير فصاغوه على شكل قصة رمزية ترسم صورة واضحة له، هي قصة (الراهب والشيطان).

قصة الراهب والشيطان

يروى أن راهباً عبَدَ الله أربعين سنة خالياً وحيداً في صومعة، بعيداً عن المدينة لا يذهب إليها إلا لضرورة تشتد به. وكان الناس يقدرونه ويجلونه لعبادته وتبتله وانقطاعه عن الدنيا.

كان هناك ثلاثة إخوة يريدون الخروج للجهاد ولهم أخت، فاحتاروا لمن يتركونها؟ ثم وقع اختيارهم على الراهب؛ فمَن غيره يمكن أن يؤتمن عليها، وهو الزاهد الورع؟ في البداية لم يوافق الراهب. ثم بعد إلحاح منهم رضي أن يبنوا لها بيتاً على مقربة من صومعته. فكان له ما أراد، وذهب الإخوه للجهاد وتركوا أختهم مطمئنين في ذلك البيت بجوار العابد. بدأ العابد فكان أول العهد يقدم الطعام لها ويتركه على بابها ثم يغادر المكان. لكن الشيطان وسوس له.. هل ستتركها هكذا؟ ربما كانت مريضة؛ لم لا تذهب وتكلمها؛ ألم يأتمنك إخوتها عليها؟ واقتنع الراهب فجلس معها، وكلمها، ونظر إليها. ومرت الأيام.. والشيطان ما يزال به يستدرجه ويخطو به.. هلا أكلت معها؟ هل ستتركها تأكل وحيدة هكذا إلى الأبد؟ ويأكل الراهب معها. ويوماً بعد يوم يزيد ولعه بها. حتى إذا ما اختلى بها ذات مرة وفي لحظة ضعف وقع بها!

وحملت الفتاة. وهنا صار يفكر.. ماذا سيقال عني؟ وكيف ستكون سمعتي بين الناس إن هم علموا بفعلتي؟! فما كان منه إلا أن قتلها والجنين في بطنها ووارى جثتها التراب! ورجع يحاول إقناع نفسه أن شيئاً لم يكن. وقام يتعبد، لكنه لم يجد لذة الطاعة كما كان من قبل.. لقد تغير كل شيء!

وعاد الإخوة من الغزو.. أين أختنا أيها الراهب الجليل؟

-     أختكم مرضت وماتت، ودفنتها. وذاك قبرها.

وصدقوه؛ فهو الراهب العابد المتبتل.

عادوا إلى المدينة. فإذا الشيطان يأتيهم في المنام واحداً واحداً. لقد فعل الراهب بأختكم.. ثم لما حملت قتلها.. ودفنها بجوار صومعته. واذهبوا لتتأكدوا بأنفسكم! واستيقظوا فقص أحدهم على أخويه ما رأى، فإذا كلهم رأى الرؤيا نفسها!

وذهب الإخوة، ونبشوا القبر، فوجدوا الأمر كما رأوا في المنام! وافتضح أمر الراهب ورفع أمره إلى الحاكم، فحُكم عليه بالموت. وهنا يتمثل له الشيطان عياناً ليقول له: أتريد ان تنجو بحياتك؟ أنا الذي أوصلتك إلى هذه الحال، وأن قادر على خلاصك.

 

الراهب: بلى أريد! ولكن كيف؟

 

الشيطان: تسجد لي سجدة واحدة.. واحدة فقط يكون فيها خلاصك.

 

وسجد الراهب. لكن الشيطان عند هذا الحد قال له: أنا بريء منك!

 

وينفذ حكم الموت بالراهب ويموت، لكن عاصياً.. بل كافراً مرتداً. وصدق فيه وفي أمثاله قول الله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (الحشر:16،17).

تداعيات الانحراف

لكن القرآن الكريم يصف لك العلاج الناجع من أول نقطة. ويبين أن الانحراف القليل سيأخذ مساره فيؤدي إلى الخروج عن السكة آخر الأمر. اقرأ قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة:49). وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) (محمد:25،26).

 

انظر إلى كلمة (بعض) في الآيتين: فالانحراف (عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) لا كله، والطاعة للكفار (فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) لا جميعه! تؤدي – في النهاية – إلى الارتداد التام عن الإسلام (ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ)! وهو من معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) (آل عمران:100). وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (آل عمران:149). ويأتي التعبير عن هذا (البعض) في سورة (الإسراء) بكلمة (شيء قليل)، لكن بصورة يهتز لها كيان المسلم وتملأ قلبه رعباً؛ فالخطاب موجه لأحب الخلق إلى الله جل وعلا النبي محمد e ومع ذلك فيها من الوعيد بالعذاب المضاعف إن هو – حاشاه – ركن شيئاً قليلاً لمطالب الكفار؛ فكيف بسواه! حقاً إن الأمر جد خطير! فعلى السياسي قبل أن يقدم فيخوض غمار السياسة أن يكون نصب عينيه قوله جل جلاله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:73-75)([2]).

 

والمتأمل في النهي عن الانحراف القليل يجد سره في مؤداه إلى الانحراف الكثير في نهاية الأمر أو أثناءه. مثل ضلعي الزاوية يكونان قريبين من بعضهما عند نقطة الافتراق، ثم يبتعدان عن بعضهما كلما امتدا إلى الأمام. هكذا يؤدي القبول بالانحراف اليسير إلى الوصول إلى الانحراف الخطير، وقد يصل إلى الكفر والعياذ بالله. لهذا يقول سبحانه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (هود:112،113). ويقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب:36).